نجوى ضحكت ضحكة صفرا وقعدت على الكرسي وقالت: “ربنا بيعاقب طبعاً والظلم دينه وحش، بس البني آدمين ساعات بيلبسوا ثوب الملائكة وهما شياطين.. أنتي فاكرة إن طليقة شريف كانت غلبانة ومستسلمة؟ تفتكري واحدة جوزها يتغير عليها فجأة ويطلقها عشان جارتها، هتسكت وتنسحب بالبساطة دي وتروح تقعد عند أهلها تلت سنين؟!”. برقت عيني وقولت لها: “قصدك إيه؟ ما هي رجعت ومعاها سيف والتقارير الطبية والفلاشة!”.
نجوى قربت مني وقالت بفحيح مرعب: “طليقة شريف عرفت بعلاقتك بجوزها من أول شهر.. من قبل ما تطلبي منه الطلاق بكتير! هي اللي سابتلك الملعب فاضي بمزاجها.. التسجيلات والفلاشة اللي واجهتكم بيها؟ دي مكنتش كاميرات البيت القديم بس، دي كاميرات هي اللي زرعتها في غرفتك وشقتك هنا بالاتفاق مع بواب العمارة القديم اللي كانت بتديله فلوس! هي كانت سيباكم تعيشوا أحلى تلت سنين عشان السقطة تبقى قوية والكسرة تهدكم هد.. الحادثة بتاعة سيف حقيقية، بس هي استغلتها في الوقت المناسب عشان تقلب شريف عليكي كلياً وتخليه يشوفك حية!”.
حسيت بنفَسي بيتقطع، وقولت: “طب وشريف؟ شريف كان بيمـ,ـوت فيا.. سافر معاها ورجع لها ليه؟!”. نجوى قامت وقفت وقالت بثقة: “شريف مسافرش الخليج عشان يرجع لها يا ذكية.. شريف هربان! شريف عليه قضايا واختلاسات وتزوير في تقارير الطيران الطبية عشان يخبي مرضه، وطليقته كانت ماسكة عليه الأدلة دي ومهدداه بيها.. يا إما يطلقك ويرميليك ورقة الطلاق ويحرمك من كل مليم، ويوافق على شروطها، يا إما تسجنه وتضيع مستقبله! هو اختار نفسه، واختار يهرب برة البلد بفلوسه وسابك أنتي هنا تواجهي الفقر والمحاكم والطفل ده لوحدك!”.
وقع كلام نجوى عليا زي الصخر.. شريف مكنش ملاك ضحية لخطيئتي؟ شريف كان حاسبها بالورقة والقلم وباعني عشان يحمي نفسه؟ وطليقته مكانتش المسكينة اللي دمرتها، دي كانت بتخطط لدماري تلت سنين في السر؟! بصيت لنجوى وأنا ببكي بهستيرية: “وأنتي.. أنتي جاية تقوليلي كل ده ليه دلوقتي؟ مصلحتك إيه تفتحي عيني على الجحيم ده؟!”.
نجوى قربت مني، طلعت من شنطتها ورقة مطوية، وحطتها في إيدي، وقالت بنظرة شريرة وعينين بتلمع بجشع عمري ما شفته فيها: “جاية عشان طليقة شريف بعد ما أخدت كل حاجة وسافرت، غدرت بيا أنا كمان ومادتنيش حقي من الفلوس اللي طلعت بيها من شريف.. وأنا معايا الدليل اللي يخليكي تخربي عليها حياتها هناك في الخليج، وتقدري ترفعي قض*ية دولية على شريف تاخدي بيها نص ثروته وتأمني بيها علاج ابنك.. بس بشرط واحد، النص بالنص في كل مليم هيطلع.. ها؟ قولي موافقة عشان أقولك إيه اللي مكتوب في الورقة دي، واللي هيقلب السحر على الساحر!”.
بصيت للورقة اللي في إيدي وأنا بترعش، الدموع جفت في عيني وحل مكانها ذهول ورعب من كمية الغل والتربيطات اللي حواليا. نجوى كانت واقفة حاطة إيدها في وسطها، وعينيها بتلمع بجشع مستني الإشارة عشان ينهش لحم أصحابها القدام. سألتها بصوت مبحوح: “ورقة إيه دي يا نجوى؟ وإيه اللي يخليني أصدقك وأمشي وراكي بعد كل اللي حصلي؟ أنا ميتة أصلاً، ومش باقي عليا حاجة غير الحتة اللحم اللي بتصرخ جوة دي”.
نجوى مالت عليا وقالت بصوت واطي وزي الفحيح: “الورقة دي فيها أصل التقرير الطبي الحقيقي لـ شريف.. شريف مكنش مريض بمرض عادي يا شيماء، شريف من سنتين جاله مرض في عصب العين والاتزان، ومكنش ينفع يطير نهائي.. طليقته زورتله مع دكتور صاحبهم التقارير عشان يفضل يطير ويجيب فلوس، ولما عرفت بنواياه إنه يستقر معاكي، بدأت تجمع أدلة التزوير دي عشان تذله بيها. والورقة التانية اللي معاها؟ دي عقود حسابات بنكية سرية باسم شريف في سويسرا، محول عليها أكتر من نص مليون دولار، طليقته أخدت التوكيل بتاعها وبتسحب منهم دلوقتي في دبي..
يعني شريف مش مسافر يشتغل طيار برة زي ما فهمك، شريف هربان من قض*ية تزوير جنائية لو اتفتحت هيروح فيها هو وطليقته والدكتور!”. سندت راسي على الحيطة وحسيت الصدمة لجمت لساني. شريف.. الراجل اللي كنت بشوفه زي الممثلين، اللي النجوم بتلمع على كتافه وريحة برفانه بتقلب الشارع، طلع مزيف؟ طلع بيهرب ويزور في أرواح الناس اللي بتركب معاه الطيارة عشان الفلوس؟ وطليقته اللي كنت فاكراها غلبانة، طلعت شريكة ومبتزة وبتخطط بالمليم؟!
نجوى كملت وضغطت على إيدي: “بالورق ده، المحامي بتاعنا يقدر يقلب الترابيزة في مصر هنا.. نرفع قض*ية حجر على أمواله، ونثبت التدليس والتزوير اللي تم في قض*ية طلاقك، ونطالب بنفقة دولية للطفل ده من حساباته برة.. هما فاكرين إنهم هربوا وضمنوا الفلوس، بس لو وقعتي على الاتفاق ده معايا، هخليهم يتمنوا رضاكي عشان متسجنيهمش برة وجوة!”. بصيت لابني “شريف الصغير” اللي كان صراخه بدأ يهدى من التعب، ونام ووشه دبلان والدموع معلمة على خدوده البريئة. قولت في سري: “يا رب.. أنا غلطت وأخدت عقابي، بس ابني ملوش ذنب يعيش في الفقر والمرض ده، والفلوس دي حقه وحق علاجه”.
رفعت راسي وبصيت لنجوى وقولت لها بقوة أول مرة أحس بيها من يوم ما اطلقت: “أنا موافقة يا نجوى.. النص بالنص، بس الورق ده يفضل معايا أنا، والمحامي أنا اللي هختاره بنفسي مش تبعك، عشان أضمن إنك متبعين ياش أنا كمان لو طليقته عرضت عليكي قرشين زيادة”. ملامح نجوى اتغيرت للحظة والضيق ظهر على وشها، بس هزت راسها وقالت: “ماشي يا شيماء.. مصلحتنا واحدة دلوقتي. هاتي الورق وتعالي نروح للمحامي الكبير اللي في وسط البلد ونبدأ الإجراءات فوراً قبل ما يسحبوا بقية الفلوس من برة”.
لبست عبايتي وأمي كانت قاعدة تبصلي بخوف وهي مشلولة مش قادرة تتكلم ولا تمنعني، أخدت ابني في حضني وخرجت مع نجوى.. ركبنا التاكسي والدنيا كانت بدأت تليل، وكنت حاسة إن أنا رايحة في طريق ملوش رجوع، طريق كله تماسيح وديابة بياكلوا في بعض، وأنا بقيت واحدة منهم غصب عني عشان أحمي ابني. وصلنا مكتب المحامي، ونجوى بدأت تطلع الورق وتشرح له السيرة من الأول.. المحامي لابس نظارته وفضل يقرأ الورق بتمعن شديد، وشه بدأ يتغير وكل شوية يبصلي ويبص للورق.. وفجأة، قلع النظارة ورماها على المكتب وبص لنجوى وبصلي وقال بنبرة صدمتني وصدمت نجوى لدرجة إننا وقفنا من على الكراسي:
“الكلام ده خطير جداً.. بس في مصيبة تانية أنتوا مش واخدين بالكم منها في الورق ده.. المصيبة دي لو اتعرفت، مش بس شريف وطليقته اللي هيروحوا في داهية.. أنتي كمان يا مدام شيماء، وابنك ده، حياتكم هتبقى في خطر حقيقي من اللحظة دي..”! المحامي كان باصص للورق وعينيه متثبتة على سطر معين، وأنا ونجوى كنا واقفين بننهج وبنبص لبعض والرعب رجع ينبض في عروقنا من تاني. نجوى قربت من مكتبه وقالت بصوت متوتر: “مصيبة إيه يا متر؟ الورق ملوش علاقة بشيماء، دي تقارير وحسابات شريف وطليقته!”.
المحامي رفع عينه وبصلي بنظرة شفقة غريبة، وقال: “الحسابات السويسرية دي يا مدام شيماء.. مش باسم شريف لوحده، ولا طليقته سحبتها باسمها.. الحسابات دي تم تأسيسها تلت سنين فاتوا، يعني في نفس الشهر اللي أنتي اتجوزتي فيه شريف! والتوكيل اللي معمول لسحب الفلوس، معمول باسم شركة وهمية لتجارة الأدوية والمستلزمات الطبية برة مصر.. وعارفة مين اللي مسجل كـ شريك رئيسي وصاحب حق التوقيع في الشركة دي هنا في مصر؟”. بلعت ريقي بصعوبة وقولت: “مين؟ شريف؟”.
المحامي هز راسه بالرفض وقال: “لأ.. باسمك أنتي! يا مدام شيماء، شريف وطليقته مكانوش بس بيزوروا تقارير طيران.. شريف كان بيهرب سبائك دهب ومبالغ ضخمة لشبكة تهريب دولية مستغلاً وظيفته كطيار، وحط اسمك أنتي في واجهة الشركة الوهمية دي بعقد مصدق ومزور فيه إمضاكِ وبصمتك من تلت سنين! طليقته لما كشفت اللعبة، مهددتوش عشان الفلوس بس.. هي هددته إنها هتبلغ عن الشبكة دي كلها لو مأخدتش نصيبها وسافرت برة.. وشريف هرب عشان الشبكة دي بدأت تدور وراه بعد ما الفلوس اللي في سويسرا اتجمدت من يومين بسبب تحقيقات دولية!”.
وقعت على الكرسي والواد صرخ في حضني كأنه حاسس بنبضات قلبي اللي كانت زي الطبل. نجوى اتراجعت لورا ووشها جاب ألوان، وقالت وهي بتبعد عني: “أنا ماليش دعوة.. أنا كنت فاكراها قض*ية نفقة وتزوير عادية! أنا برة الموضوع ده!”.
المحامي زعق فيها وقال: “اقعدي هنا! مفيش حد برة الموضوع.. الورق ده لو خرج من المكتب ده، أصحاب الشبكة دي -وهما ناس واصلة وتقيلة جداً- لو عرفوا إن الورق ده مع حد أو إن شيماء معاها مستندات الحسابات، مش هيستنوا القانون يحاسبها.. هما هيخلصوا عليها وعلى ابنها في ثانية عشان يدفـ,ـنوا السر! شريف وطليقته مهربوش من القانون بس.. هما هربانين من ديابة بياكلوا لحم حي!”.
بصيت لنجوى اللي كانت بترتعش، وبصيت للورق اللي بقيت شيفاه كأنه قنبلة موقوتة هتدمر اللي باقي من حياتي وحياة ابني. قولت للمحامي بصوت منهار وعياط مكتوم: “يعني إيه يا متر؟ يعني أنا هتحبس؟ أو هتمـ,ـوت؟ أنا والله ما أعرف حاجة عن الشركات دي! أنا كنت مغمية عيني ومش شايفة غير شريف وبس.. أنا ضيعت نفسي وبضيع ابني معايا!”.
المحامي لّم الورق بسرعة وحطه في الخزنة وراه وقال بقلق: “الورق ده هيفضل هنا في حرز مقفول.. ومحدش ينطق بكلمة برة الأوضة دي. الحل الوحيد قدامنا دلوقتي إننا نلعب على الهادي.. شريف وطليقته حالياً في دبي، والشبكة لسه بتدور عليهم هما الأول ومش عارفين مكانهم.. لو قدرنا نوصل لشريف عن طريق جهة أمنية في مصر هنا ونقدم بلاغ رسمي كـ ‘شاهد ملك’ ونثبت إن إمضاكِ مزورة قبل ما هما يوصلولك، ممكن ننجى برقبتك ونضمن لقمة عيش لابنك.. بس اللعبة دي محتاجة وقت، ومحتاجة إنك تختفي تماماً الكام يوم الجايين دول.. متقعديش في بيتك القديم ولا دقيقة واحدة!”.
خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة إن الأرض بتهتز تحت رجلي، نجوى جرت وسابتني في وسط الشارع من غير ما تنطق بكلمة.. الخوف عمى عينيها هي كمان. وقفت في نص البلد، بالليل، الهوا كان ساقع بس جسمي كله كان بيغلي.. ابني في حضني عمال يئن من الوجع، وأنا مبقاش ليا مكان أروح فيه.. بيتي مراقب، وشريف باعني وباع ابنه وبقى مطرود من ديابة، وأنا بقيت في وش المدفع!
أخدت تاكسي ورجعت لبيت أمي وأنا بترعش، دخلت الشقة وكنت بلم حاجتي وحاجة الواد بسرعة وأنا بقول لأمي المذعورة: “لازم نمشي من هنا يا أمي.. لازم نستخبى في أي مكان، الحكاية طلعت أكبر من شريف ومن طليقته.. إحنا في خطر!”. وفجأة.. وأنا بلم الهدوم في الشنطة.. النور قطع في الشقة كلها! السكون بقى مرعب، ومسمعتش غير صوت خطوات تقيلة وغريبة بتتحرك برة في الممر، ووقفت بالظبط.. قدام باب شقتنا!
حضنت ابني بكل قوتي، وحطيت إيدي على بق أمي عشان متصرخش.. والباب بدأ يتخبط عليه تلات خبطات ورا بعض، خبطات قوية ومنتظمة.. وصوت راجل غريب من ورا الباب قال بنبرة هادية وبترعب: “افتحي يا مدام شيماء.. الكابتن شريف بيمسي عليكي، وجايبلك الأمانة اللي سيبتيها مع المحامي”! النفس قطع جوايا، والضلمة حوّلت الشقة لقبر مقفول علينا. أمي كانت بتترعش تحت إيدي، وابني “شريف الصغير” وزي ما يكون حس برعب اللحظة، سكت تماماً وكتم أنينه في حضني. الخبطات على الباب رجعت تاني.. تلات خبطات ورا بعض، بنفس الهدوء المرعب والانتظام اللي يقطع الخلف.