منوعات

🌺حكايات زهرة الربيع🌺

الصوت من ورا الباب رجع يتكلم، بس المرة دي كان أقرب، كأنه حاطط بقه في خرم الباب: “أنا عارف إنك جوة يا مدام شيماء، وسامع نفسِك.. افتحي بالذوق وبلاش نعمل شوشرة في الحتة، الأمانة لازم تستلميها يد بيد”. كنت بين خيارين؛ إما أمـ,ـوت من الرعب وأستنى الباب يتكسر علينا، أو أقف على رجلي عشان الحتة اللحم اللي متعلقة في رقبتي. شيلت إيدي من على بق أمي وهمست في ودها: “ادخلي الأوضة جوة واقفلي على نفسك.. متخرجيش مهما حصل”. زقيت أمي بالراحة، وأخدت نفسي، وقربت من الباب وأنا حاطة ابني على دراعي الشمال، وإيدي اليمين بترتعش على الترباس.

سألت بصوت حاولت أخليه قوي بس كان مخنوق: “أمانة إيه؟ ومين الكابتن شريف ده؟ أنا معرفش حد بالاسم ده، والبيت ملوش رجالة.. امشي من هنا وإلا هصوت وألم عليك الشارع!”. الراجل ورا الباب ضحك ضحكة واطية، ضحكة خلت شعري يقف، وقال: “تلمي الشارع؟ الشارع كله نايم يا مدام، والبواب تحت نايم نومة مش هيصحى منها قبل بكره العصر.. افتحي، المحامي بتاعك باعك في أول محطة عشان يشتري روحه، والورق اللي كان في الخزنة بقى في جيبنا.. افتحي عشان نخلص”.

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. المحامي باعني! الورق اللي كان المفروض يحميني بقى معاهم! في اللحظة دي، عرفت إن مفيش مفر، وإن شريف وطليقته والشبكة دي مش هيسيبوني أعيش. الشيطان اللي كان بيحرّكني زمان عشان أخرب بيت جارتي وأسـ,ـرق جوزها، اختفى، وحل محله غريزة أم بتدافع عن ابنها العاجز. لمحت في الضلمة، على الترابيزة اللي جمب الباب، مقص حديد كبير بتاع أمي.. مديت إيدي وأخدته بالراحة واستخبيته ورا ضهر ابني. فتحت القفل، ونزلت الترباس، وفتحت الباب مواربة.

الضوء الضعيف اللي جاي من السلم نور وش الراجل.. كان طويل، لابس قميص أسود، وعينيه باردة زي عيون التماسيح، مفيش فيها أي رحمة. أول ما الباب اتفتح، زقه بركبته ودخل الشقة، وقفل الباب وراه بظهره. بص للواد اللي في حضني بنظرة قرف، وطلع من جيبه ظرف أسود كبير، ورماه على الترابيزة. وقال بنبرة خالية من أي مشاعر: “دي أمانتك.. عقود الشركة الوهمية اللي إمضاكِ عليها، وشيكات على بياض ببصمتك.. الشبكة قررت تقفل الملف ده خالص. شريف وطليقته اتجابوا من دبي من تلت ساعات، وحالياً بيتحقق معاهم في مكان ملوش عنوان.. والدور عليكي، بس إحنا مبنوسخش إيدينا بدم حريم وعيال صغيرة”.

بصيت له برعب وقولت: “أمال.. أمال عايز مني إيه؟”. طلع من جيبه التاني علبة دواء صغيرة، وحطها جمب الظرف وقال: “العلبة دي فيها حبوب.. هتاخدي منها شريط، وتدوبي حباية واحدة في بق الواد ده.. الصبح الجيران هيلاقوكم ميتين من الغاز أو سكتة قلبية بسبب الحزن على طلاقك.. وبكده السر يمـ,ـوت معاكم، ومحدش هيدور ورا واحدة مطرودة ومفلسة انتـ,ـحرت هي وابنها”. النار قادت في دمي.. يبيدوني أنا وابني؟ يقتـ,ـلوا الحتة اللحم دي عشان يداروا على وساختهم ووساخة شريف؟! بصيت للعلبة، وبصيت لوشه البارد، وقولتله بصوت هادي وعينيا بتلمع بدموع القهر: “ماشي.. بس خليني أبوس ابني لآخر مرة”.

الراجل هز راسه بملل وبص الناحية التانية كأنه مستعجل.. وفي جزء من الثانية، وبكل قوة وحقد وندم تراكموا في قلبي على مدار تلت سنين، رفعت إيدي بالمقص الحديد وغرسته بكل عزمي في رقبته! الراجل برّق عينيه بذهول، مكنش متوقع إن واحدة مكسورة ومطلقة تعمل كده.. طلع صوت حشرجة من زوره، وحاول يمد إيده عشان يخنقني، بس أنا زقيته بكل قوتي.. وقع على الأرض وهو بينازع والدم بيسيل منه بغزارة في ضلمة الصالة.

مستنتش ثانية واحدة.. صرخت في أمي: “أمييي! هاتي الشنطة واجري!”. أمي خرجت بتترعش، أخدت الشنطة، وفتحنا الباب وجرينا على السلم زي المجانين، بنعدي من فوق البواب اللي كان مغمي عليه في المدخل زي ما الراجل قال. خرجنا للشارع والوقت كان متأخر، فضلت أجري وأجري وأنا شايسة ابني على كتفي لحد ما وصلنا للموقف.. ركبنا أول عربية ميكروباص متجهة للصعيد.. لـ “أسيوط”.. مسقط رأسي، المكان اللي كان لازم مسبهوش من الأول.

عدت سنة كاملة على الليلة دي.. سنة كاملة وإحنا عايشين في بيت طين صغير في أطراف قرية معزولة في أسيوط، بأسماء مزيفة، وشكل متغير.. قصيت شعري، وبقيت بشتغل في البيوت والأراضي عشان أأكل أمي وأجيب علاج ابني. شريف الكبير وطليقته؟ عرفت من الأخبار بعد شهور إنهم اتمسكوا في قض*ية تهريب كبرى وتزوير جنائي، وأخدوا أحكام بالسجن المؤبد، وكل ثروتهم وفلوسهم بره وجوه اتصادرت.. البيوت اللي اتبنت على الظلم، اتهدت فوق دماغ أصحابها في الآخر، وشريف اللي باعني وباع ابنه، بقوا الحيطان الأربعة هما كل دنيته.

أما أنا.. فقاعدة دلوقتي في ضل حيطة الطين، وبصالي “شريف الصغير” اللي بدأ يقعد على الأرض ويتحرك ببطء بعد رحلة علاج طويلة باللي كنت بكسبه من عرق جبيني.. عاجز اه، بس عايش في حضني. ببص للسما والدموع في عيني.. خسرت شريف، وخسرت الفلوس، وخسرت حياتي القديمة كلها.. ودوقت الكسرة والفقر والخوف أضعاف اللي عملته في غيري.. بس وأنا ببص لوش ابني البريء، بعرف إن ربنا رحمني بالوجع ده عشان يفوقني، وإن العقاب الحقيقي مكنش المـ,ـوت.. العقاب الحقيقي كان إني أعيش وأفتكر كل يوم.. إن اللي يزرع شوك، مستحيل يحصد ورد.

انت في الصفحة 5 من 5 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى