منوعات

🌺حكايات زهرة الربيع🌺

أمي جت تجري على صوتي، شافتني بالمنظر ده والموبايل مكسور، فهمت كل حاجة. قعدت جمبي في الأرض وضمتني وهي بتبكي وتقول: “يا بنتي احتسبي.. دا دين وبيتسد، اللي عملتيه في البنت المسكينة بتدوقيه حرف بحرف.. اطلبي الغفران من ربنا لعل وعسى الحمل دا يمر على خير”. بس أنا مكنتش قادرة أستسلم، الغيرة العميا والغل اللي عموا قلبي زمان رجعوا تاني وبقوة.. قولت مستحيل! مستحيل يسافروا ويسيبوني هنا أمـ,ـوت بالبطيء! نزلت وجريت في الشوارع زي المجنونة، رحت لعمارته القديمة، طلعت السلالم وأنا بنهج وبخبط على الباب بكل قوتي، بصرخ وبقول: “شريف! اخرج يا شريف! متعملش فيا كده! أنا بحبك!”.

الجيران بدأت تفتح الأبواب وبصات القرف والشماتة في عيونهم كانت بتدبحني. خرج بواب العمارة وقالي بحدة: “يا مدام امشي من هنا بدل ما نطلبلك البوليس! البيه الكابتن سلم الشقة لأصحاب الملك ومشي هو والست بتاعته وابنه من أول امبارح، العمارة فضيت عليكي خلاص!”. رجعت بيتنا القديم وأنا زي الج*ثة الحية.. مفيش أي وسيلة تواصل، مفيش طريق يوصلني ليه، اختفى تماماً كأنه مكنش موجود في حياتي.

مرت الأيام والشهور وأنا عايشة في جحيم حقيقي.. بطني بدأت تكبر، وكل ما تكبر، بحس بالذنب والخوف بيزيدوا. الحمل كان صعب جداً ومؤلم، كنت دايماً بنزف والدكاترة يقولوا لي: “حالتك النفسية بتدمر الجنين، لو مهدتيش الطفل هينزل مشوه أو هتمـ,ـوتي معاه”. بس إزاي أهدى؟ كل ما أبص في المراية، بشوف وش طليقته وهي بتضحك، وبسمع صوت سيف وهو بيعيط على كرسيه المتحرك. بقيت أخاف من الضلمة، وبقيت أحس إن في حد قاعد معايا في الأوضة دايماً بيراقبني ويحاسبني على كل لحظة دلع عشتها مع شريف وأنا واخدة مكان مش مكاني.

وفعلاً، في نص الشهر السابع، جالي الطلق فجأة.. مغص رهيب خلاني أصرخ لدرجة إن الجيران اتلمت ونقلوني المستشفى وأنا غرقانة في دمي. دخلت أوضة العمليات وأنا بين الحياة والمـ,ـوت، كنت حاسة إن روحي بتطلع، وبدعي وبقول: “يارب سامحني.. يارب احمي ابني بلاش هو يدفع تمن ذنبي”. بعد ساعات من العذاب، فقت من البنج، لقيت نفسي في أوضة ضلمة، وأمي قاعدة جمبي ووشها غرقان دموع ومخبية وشها بإيديها. سألتها بصوت مبحوح وخايف: “أمي.. ابني فين؟ شريف الصغير فين؟ هو كويس صح؟”.

أمي مبصتليش، فضلت تبكي بهستيرية، لحد ما دخل الدكتور المسؤول.. ملامحه كانت جادة وحزينة، قرب مني وقال بصوت واطي: “الحمد لله على سلامتك يا مدام.. قدر الله وما شاء فعل، الطفل اتولد قبل معاده بكتير، وعنده عيب خلقي شديد في ضهره ورجليه.. ومحتاج عمليات كتير جداً ونسبة شفائه صعبة.. هو حالياً في الحضانة تحت الأجهزة”. الكلمة نزلت عليا كأنها خنجر اتغرس في نص قلبي.. عيب في ضهره ورجليه؟ عاجز؟ زي سيف؟! ربنا عاقبني في أعز ما أملك.. نفس الوجع ونفس الكسرة اللي سببتها لسيف، ابني هيعيش فيها!

قمت من على السرير زي المجنونة، بشد الخراطيم من إيدي وأمي بتصرخ وتمسكني، جريت في ممرات المستشفى وأنا بهلوس لحد ما وصلت لأوضة الحضانة.. وقفت ورا الإزاز، وبصيت على الحتة اللحم الحمرا اللي نايمة جوة وسط الأجهزة.. طفل صغير بريء، ملوش أي ذنب، بس شايل ذنب أمه كامل!

وفجأة وأنا واقفة ببكي ورا الإزاز وحاطة إيدي عليه، تليفون أمي اللي كان في جيب جلابيتي رن.. طلعت التليفون وأنا مش شايفة من الدموع، ولقيته رقم دولي غريب.. فتحت الخط وأنا بترعش وجالي صوت شريف.. بس الصوت مكنش فيه لا غضب ولا كره.. كان صوت هادي جداً، بارد لدرجة المـ,ـوت، وقالي: “سمعت اللي حصل لابنك يا شيماء.. وجيت أقولك كلمتين اتنين بس عشان ترتاحي..”! أنفاس شريف الهادية على الناحية التانية من الخط كانت بتخترق ودني زي تكتكة قنبلة موقوتة، مكنش فيه عصبية ولا زعيق، بالعكس، البرود اللي في صوته كان يجمّد مية نار.

سكت ثانية، تنهد تنهيدة طويلة وقال بلهجة خالية من أي مشاعر: “أنا مكنتش ناوي أكلمك تاني، ولا أعرف عنك حاجة.. بس لما عرفت باللي حصل للطفل، حسيت إنها رسالة من ربنا ولازم توهبلك فوق فووقك. شوفتي يا شيماء؟ شوفتي الديرة دارت إزاي وبسرعة؟ الوجع اللي عيشتيني فيه وأنا شايف ابني سيف حتة حديد مكسورة ومشلول مش قادر يتحرك، ربنا ردهملك في ابنك ومن لحمك.. العدالة الإلهية مابتتأخرش، وكل ساقٍ سيعزل بما سقى”.

دموعي نزلت مغرقة الإزاز اللي بيفصلني عن ابني في الحضانة، صرخت بصوت مبحوح والناس في الممر بتبص عليا: “حرام عليك يا شريف! ده ابنك أنت كمان! لحمك ودمك! ذنبه إيه الطفل ده يدفع تمن غلطتي وغلطتك؟ أنت كمان شاركتني في دمار بيتك الأولاني، ليه بتشيلني الشيلة لوحدي؟!”.

رد عليا بضحكة جافة ومريرة: “ابني؟ أنا قولتلك ماليش ولاد غير سيف.. الطفل ده نتاج غش وتدليس وخطة شيطانية، أنا مش معترف بيه ولا عمري هشوفه، وعشان تريحي نفسك.. أنا برة مصر خلاص، وأوراق الطلاق والبراعة من كل حقوقك هتوصلك مع المحامي بتاعي الأسبوع ده. عيشي بقى يا شيماء.. عيشي دوقي المر اللي دوقتيه لغيرك، واشربيها لوحدك”. قفل السكة في وشي. الخط قطع، والمرة دي حسيت إن حبل المشنقة هو اللي اتلف حوالين رقبتي. وقعت على أرض المستشفى، سانة ضهري على الحيطة، ببص لـ أمي اللي جت تجري عليا وهي بتعيط وتلطم على وشها من منظر الانهيار اللي أنا فيه.

خرجنا من المستشفى بعد أسبوعين.. رجعت الشقة القديمة، بس المرة دي مكنتش لوحدي، كان معايا “شريف الصغير”.. طفل بريء مكتوب عليه يعيش عاجز، مبيتحركش، صراخه بالليل مبيقفش من الوجع. الشقة اللي كنت بهرب منها زمان عشان أشوف شريف الكبير وهو نازل ببدلته الكحلي، بقت هي السجنبتاعي.

كل قرش كان معايا صرفته على الدكاترة والمستشفيات، ومبقاش معانا أنا وأمي حرفياً تمن علبة اللبن الصناعي بتاع الواد. المحامي بتاع شريف جالي لحد البيت، ورمالي ورقة الطلاق الرسمي، وقالي ببرود: “الكابتن شريف تنازل عن الشقة دي لأم والدته، ومفيش ليكي أي نفقة ولا مليم واحد بناءً على حكم المحكمة بسقوط حقوقك للتدليس.. وقدامكم شهر واحد وتخلوا الشقة دي لأنها هتباع!”.

الدنيا اسودت أكتر وأكتر، مبقتش عارفة أأكل ابني منين ولا هروح فين أنا وأمي والطفل المشلول ده بعد شهر؟ الغل اللي كان جوايا اتمحى وبقى مكانه رعب وندم بياكل في ضلوعي.. كنت بقعد بالليل، والضلمة محاوطاني، أسمع أنين ابني وأفتكر طليقة شريف وهي بتبكي وتموـ,ـت في جلدها وتدور وراه وهي مش فاهمة إن السك*ينة جايلها مني.. كنت بقول لنفسي: “أنا بستاهل.. بس ابني ذنبه إيه؟”.

وفي يوم، وأنا قاعدة على الكنبة والواد على حجري عمال يتلوى من الألم، الباب خبط.. قمت بجر رجلي، فتحت الباب وأنا متوقعة إنه المحضر جاي يطردنا.. بس الصدمة إن اللي واقفة قدام الباب كانت شخصية عمري ما تخيلت إنها هتعبرني أو تسأل فيا، ولما شفتها، اتسمرت في مكاني ونطق لساني باسمها بذهول.. واللي قالتهولي غير كل توقعاتي ودخل حياتي في مرحلة مرعبة تانية خالص! الشخصية اللي كانت واقفة قدام الباب ومبتسمة ابتسامة غامضة، مكنتش طليقة شريف، ولا كانت أمي، ولا أي حد من الجيران اللي قاطعونا.. دي كانت “نجوى”!

نجوى دي كانت الصديقة المقربة جداً لطليقة شريف، والوحيدة اللي كانت دايماً بتبصلي بنظرات شك من أول يوم دخلت فيه بيتهم زمان، وكانت بتحذر طليقته مني وتقولها: “البنت دي مش مريحة وعينها من جوزك”. أنا وقتها عملت عليها خطة ووقعت بينها وبين طليقة شريف لحد ما قطعت معاها خالص عشان أفضى لشريف.. ودلوقتي، نجوى واقفة على بابي! اتراجعت لورا بخوف وذهول، وقولت بصوت مرتعش: “نجوى؟! أنتي إيه اللي جابك هنا؟ جاية تشمتي فيا زي الباقيين؟ جاية تقوليلي تستاهلي؟”.

نجوى دخلت الشقة بكل برود من غير ما آذن لها، لفت نظراتها في الصالة المكركبة والقديمة، وبصت للطفل اللي في حضني وهو عمال يصرخ ويتلوى، ملامح وشها اتقلبت من البرود للجدية الشديدة، وقالت بصوت واطي ومسموع: “أنا مش جاية أشمت يا شيماء.. الشماتة في المرض والعيال قلة أصل، وأنا مش قايلة الكلمة دي عشان سواد عيونك.. أنا جاية أقولك إنك مغفلة! وأكاد أقسم إنك لحد اللحظة دي مش فاهمة اللعبة اللي اتلعبت عليكي من تلت سنين لحد النهاردة!”.

سندت ابني على الكنبة وقمت وقفت قدامها وأنا مش فاهمة حاجة، وبطني ببتعصر من القلق: “لعبة إيه؟ بقولك شريف طلقني ورجع لطليقته وسافروا الخليج، وابني اتولد عاجز زي ابنه سيف، ربنا عاقبني.. لعبة إيه اللي بتتكلمي عنها؟!”.

انت في الصفحة 3 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى