طليقته كانت واقفة في وشي، لابسة أسود في أسود، وشها شاحب وزي ما تكون كبرت عشر سنين، بس عينيها كانت بتلمع بنظرة غريبة.. نظرة فيها تشفي وكسرة في نفس الوقت. ما لحقتش أنطق ولا كلمة، ولا أسألها إيه اللي جابك، لما لفت وشها وشاورت لراجل واقف وراها في الممر. الراجل ده كان ماسك إيد ولد صغير.. الولد ده كان سيف، ابن شريف. بس الصدمة اللي شلت حركتي وخلت الدم يتجمد في عروقي، إن سيف كان قاعد على كرسي متحرك، ورجليه الاتنين متجبسين وفيها أجهزة حديد، ووشه فيه آثار حروق وجروح لسه بتلتئم.
قبل ما أستوعب المنظر، طليقته زقت الباب بقوة ودخلت الصالة، وقالت بصوت عالي وهستيري هز حيطان الشقة: “يا شريف! اخرج يا كابتن يا محترم! اخرج شوف ابنك اللي هان عليك، شوف لحمك ودمك اللي رمتهم عشان نزوة!”. الصوت صحى شريف. خرج من الأوضة يجري وهو متبهدل من التعب، وعينه مشققة من النوم، بس أول ما شاف طليقته وابنه بالمنظر ده، رجله خانته وقعد على ركبته في الأرض. ملامحه اتقلبت لذهول ورعب، وبدأ يزحف ناحية ابنه وهو مش مصدق: “سيف؟ ابني؟ إيه اللي حصلك؟ إيه المأساة دي؟”.
طليقته ضحكت ضحكة تقطع القلب وقالتله: “لسه فاكر تسأل؟ بقالك تلت سنين مكلفتش نفسك تيجي تبص في وشه.. تلت سنين والمحروسة بتاعتك بتتحجج وتمنعك، وأنت ماشي وراها مغمي عينيك! ابنك عمل حادثة عربية كبيرة من ست شهور مع جده.. جده مات، وسيف عاش بعد ما عمل خمس عمليات، وكان بيمـ,ـوت في المستشفى وهو بينطق اسمك، وأنت كنت فين يا كابتن؟ كنت بتتفسح وبتدلع!”.
شريف بصلي بنظرة عمري ما هنساها.. نظرة كلها غل وكره واحتقار، وكأنه أول مرة يشوفني على حقيقتي. قام وقف ودموعه نازلة زي المطر، ومسكني من كتفي وهزني بعنف وهو بيصرخ: “أنتي! أنتي السبب! كل ما أقولها عايز أسافر أشوف ابني، تقوليلي تعبانة، تقوليلي الشقة بتغرق، تقوليلي أمي عيانة! أنتي خربتي بيتي وحرمتيني من ابني وهو بيمـ,ـوت!”.
طليقته مأكتفتش بكده، طلعت من شنطتها ظرف كبير ورامته في وش شريف وقالتله: “ودا بقى الحساب القديم اللي جيت أقفله.. فاكر المشاكل اللي كانت بينا؟ فاكر الأكل اللي كنت بتقول ملوش طعم والبيت اللي مش نضيف وصوتي اللي بقيت تشوفه عالي؟ اسأل هانم زمانها اللي واقفة دي، كانت بتقولي إيه في المطبخ وتخليني أعمل إيه! كانت بتوزني عليك وتفهمني إنك مبقتش تحبني عشان تخليني أنكد عليك.. دي مكانتش جارة، دي كانت حية دخلت بيتي عشان تسـ,ـرق جوزي!”.
الدنيا لفت بيا، وحسيت إن السقف بيقع عليا فعلاً. شريف مبقاش سامعني ولا شايفني، فتح الظرف ولقى فيه تقارير طبية وصور لسيف وهو في العناية المركزة، ولقى كمان فلاشة. طليقته قالتله: “الفلاشة دي عليها تسجيلات لكاميرا البيت القديم، لما كانت المحروسة بتدخل شقتي بغيابي وتفتش في حاجتي، وتصور أسرارنا عشان تستغلها ضدنا”.
شريف لفت ناحيتي وعينه حمرا زي الدم، وجرني من إيدي و رماني في الصالة وقال بصوت مرعب: “برا.. مش عايز أشوف وشك في بيتي تاني”. حاول يلمس ابنه، بس الولد خاف واستخبى في حضن أمه وهو بيعيط ويقول: “أنا بخاف من بابا.. بابا سابني ومش بيحبني”. الكلمة دي قطعت شريف حتت، وبدأ يكسر في عفش الصالة وزقني ناحية الباب وهو بيصرخ: “أنتي طالق! طالق بالتلاتة! خدي هدومك واغوري من هنا، أنتي دمرتيني!”.
وقفت في الشارع بشنطة هدومي، في نفس الحي الهادي اللي بدأت فيه الحكاية.. الدنيا اسودت في وشي تاني، والانتصار اللي عشته تلت سنين اتمحى في ثانية، وحسيت لأول مرة بطعم الكسرة والذنب اللي دوقتهم لغيري.. بس اللي فات كان كوم، واللي بدأ يحصل معايا بعد الطلاق ده كان كوم تاني خالص، حاجة مكنتش تخطر على بال بشر!
نزلت السلالم وأنا مش شايفة قدامي، دموعي مغرقة وشي، وصوت صراخ شريف لسه بيرن في ودني، وكلمة “طالق” بتعيد نفسها في دماغي زي الطلقات. خرجت للشارع بشنطة هدومي، والناس في الحتة اللي كانت بتحلف بأدب شريف وطليقته واقفين يبصوا عليا بنظرات همس ولمز؛ الخبر اتنشر في الدقايق دي زي النار في الهشيم. رجعت لبيت أمي القديم، دخلت وأنا كلي كسرة، رميت نفسي في حضنها وأنا بنهار. أمي مكانتش عارفة تواسيني ولا تلومني، كانت تبصلي بحزن وتقول: “يا بنتي ياما نصحتك، قولتلك البيوت اللي بتتبني على خراب بيوت تانية مابتكملش، والظلم ظلمات.. ذنب البنت الغلبانة وابنها جه لحد عندك”.
فات أول أسبوع وأنا حابسة نفسي في الأوضة، مابكلش ولا بشرب، ومستنية تليفون من شريف، كنت بقول لنفسي: “أكيد هيهدا.. أكيد الحب اللي بينا في التلت سنين مش هيهون عليه وهيحنلي”. بس الصدمة التانية كانت أشد. في اليوم الثامن، الباب رن، جريت بلهفة أفتكرته هو، بس لقيت محضر باعتلي إعلان بدعوى طلاق رسمي، وشريف مش بس طلـ,ـقني غيابي، ده كمان عملي “منع من دخول الشقة” ورفع قض*ية استرداد لكل الدهب والمؤخر بحجة التدليس والغش بناءً على الفلاشة والتسجيلات اللي طليقته ادهاله!
نزلت للمحامي بتاعي وأنا منهارة، ورأيته الأدلة، بصلي وهز راسه بيأس وقال: “الموقف القانوني صعب.. التسجيلات والفلاشة اللي معاهم تثبت إنك دخلتي البيت بنية إلحاق الضرر وسـ,ـرقة مستندات خاصة، وشريف جاب شهود من الجيران إنك كنتي بتعطليه عن رؤية ابنه المصاب.. منظرك قدام القاضي هيبقى وحش جداً”.
خرجت من مكتب المحامي والدنيا بتلف بيا، وقررت أروح لشريف الشغل، قولت لازم أقابله في المطار قبل ما يطلع أي رحلة، وأستعطفه. وقفت في المكان اللي بيتجمع فيه الطيارين، ولمحته من بعيد.. لابس بدلت الكحلي، بس مكنش شريف بتاع زمان، وشه كان مطفي، والهم كاسره. جريت عليه ووقفت قدامه وأنا بعيط: “شريف.. أرجوك اسمعني، أنا عملت كده من حبي فيك، مكنتش قادرة أشوفك مع غيري.. سمحني ومتضيعش تلت سنين حب”.
بصلي ببرود وجفاء رعبني، ومشي خطوتين لورا كأنه قرفان يلمسني، وقال بصوت واطي ومسموم: “حب؟ أنتي تعرفي إيه عن الحب؟ أنتي مرض.. أنتي دخلتي بيتي زي السوس اللي نخر فيه لحد ما وقعتيه. أنا خسرت ابني اللي عاجز بسببي، وخسرت نفسي.. تلت سنين كنت عايش مع شيطانة ومخدوع في رقتها المزيفة.. أنا بكرهك يا شيماء، وبكره اليوم اللي شفتك فيه، ولو بايدي أمحي السنين دي من عمري هأمحيكِ معاها”. وسابني ومشي وسط نظرات زمايله المستغربة.
رجعت البيت وأنا حاسة إن روحي بتتسحب مني. وفي نفس الليلة، بدأت الكوابيس.. كنت بنام أشوف نفسي وسط نار قايدة، وسيف ابن شريف قاعد على كرسيه المتحرك وبيشاور عليا ويضحك، وأصحى وأنا عرقانة وبصرخ. مبقاش في حياتي غير السواد، لحد ما عدا شهرين، وتعبت فجأة.. دوخة مستمرة وترجيع، أمي أخدتني ورحنا للدكتور، وبعد الفحوصات والتحاليل، الدكتور بص في الورقة وبصلي وقال: “مبروك يا مدام.. أنتي حامل في الشهر التاني”.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. حامل؟ حامل من شريف بعد ما كل حاجة انتهت؟ حسيت بأمل غريب نور في قلبي، وقولت: “بس! هو ده المفتاح اللي هيرجعلي شريف.. شريف بيمـ,ـوت في الأطفال، ومستحيل يسيب ابنه التاني يتولد من غير أب”. مسكت التليفون وبعتله رسالة فوراً: “شريف، أنا حامل في ابنك.. أرجوك بلاش نعمل في الطفل الجديد اللي عملناه في سيف، تعالى ونبدأ صفحة جديدة عشان خاطر اللي في بطني”.
قعدت جمب التليفون مستنية الرد والساعات بتمر كأنها سنين.. وفجأة التليفون رن.. مكنتش رسالة، ده كان اتصال من رقم شريف.. فتحت الخط بلهفة وأنا بصرخ: “شريف! حبيبي!”.. بس الصوت اللي رد عليا مكنش صوت شريف.. كان صوت طليقته، وقالتلي بضحكة كلها شر ملوش آخر: “مبروك يا عروسة.. بس شريف مش هيرد عليكي تاني.. وعايزاكي تسمعي المفاجأة الجديدة دي كويس أوي..”!
صوت ضحكتها كان بيرن في ودني زي الفحيح، جمد الدم في عروقي، وقبل ما أنطق بكلمة، كملت كلامها وثقتها بتهد المتبقي من طولي: “شريف مش هيرد عليكي تاني يا شيماء.. شريف ساب البلد كلها. قدم طلب نقل لشركة طيران دولية في الخليج، وأنا وسيف مسافرين معاه بعد كام يوم عشان سيف يكمل علاجه برة على نفقته.. شريف رمى كل حاجة ورا ظهره، رماكي أنتي والماضي الزبالة بتاعكم، وجاي يبتدئ معايا ومع ابنه من جديد.. ورسالتك دي؟ أنا اللي قريتها، وشريف شافها ومتهزش فيه شعره واحدة، بالعكس.. قالي دي واحدة كدابة ومستعدة تعمل أي حاجة عشان ترجعلي، وحتى لو كان بجد..
فالطفل ده ملوش أب عندي!”. الخط قطع.. الصوت اختفى بس الدنيا فضلت تلف بيا. التليفون وقع من إيدي واتفـ,ـرفك على الأرض مية حتة، وزي ما يكون قلبي هو اللي اتفرفك معاه. وقعت على ركبي وأنا بصرخ صرخة مكتومة، حاسة بنار بتغلي جوايا.. شريف رجع لها؟ شريف سابني وأنا في بطني حتة منه ورايح يعوضهم هما عن تلت سنين ظلم؟