الجزء التاني والأخير: سر المفرش المقطوع
وقفت على باب أوضة الأطفال، وبصيت على السر.ير اللي هبة كانت نايمة عليه، وفجأة حسيت إن رجلي مش شايلاني!هبة كانت قاعدة على طرف السرير، وضهرها لينا، وفي إيدها مقص كبير، وبتقطع المفرش الجديد حتة حتة، وهي بتهمس بكلام مش مفهوم! لكن اللي خلاني أحط إيدي على بوقي من الصدمة، إن المفرش مكنش هو الحاجة الوحيدة اللي بتقطعها!كان جنبها شنطة صغيرة مفتوحة، جواها صور ليا وأنا نايمة، وصور لجوزي، وصورة لبنتي نور وهي نايمة في سريرها!
حسيت إن الدنيا بتلف بيا، وبصيت لنور لقيتها بتترعش وبتستخبى ورايا.قربت منها وهمست:”إنتِ شفتي عمتك بتعمل كده قبل كده يا نور؟”
هزت راسها وهي بتعيط وقالت:”أيوه يا مامي… أنا صحيت مرة بالليل أشرب مية، فلقيتها بتقطع المفرش، ولما سألتها بتعمل إيه، قالتلي لو حكيتلك هتزعلي مني، وإنها هتخليني أنام لوحدي في أوضة ضلمة! ”
قلبي اتقبض، وحسيت بغضب عمري ما حسيت بيه قبل كده.دخلت الأوضة وولعت النور مرة واحدة.هبة اتخضت، والمقص وقع من إيدها، ولما شافتني واقفة قدامها، وشها اتغير تمامًا.صرخت فيها:”إنتِ بتعملي إيه يا هبة؟! وإيه الصور دي؟! وإيه اللي مخليكي تقطعي المفارش كل مرة؟
!”
حاولت تضحك، لكن ضحكتها كانت مرتبكة:”يا صباح، اهدي بس… إنتِ فاهمة الموضوع غلط!”
مسكت الشنطة وطلعت الصور قدامها:”غلط إيه؟! صور ليا وأنا نايمة؟! وصور لبنتي؟! إنتِ بتراقبينا من إمتى؟!”
هبة انفجرت في العياط، وحطت إيديها على وشها وقالت:”والله ما كنت عايزة الموضوع يوصل لكده! ”
صرخت فيها:”أومال كنتِ عايزة توصليه لفين؟! اتكلمي!”
سكتت شوية، وبعدها رفعت راسها وبصتلي بنظرة عمري ما هنساها.قالت:”أنا كنت بقطع المفارش عشان أخويا يفتكر إن في حاجة غريبة بتحصل في البيت، وإنك مش مهتمة بنضافة شقتك ولا بحاجاته.
.. كنت عايزاه يشك فيكي، ويبدأ يكره العيشة معاكي!”
حسيت إن حد ضر.بني على دماغي.”ليه؟! أنا عملتلك إيه يا هبة؟! ده أنا كنت بعتبرك أختي!”
نزلت عينيها في الأرض، وبعد ضغط طويل اعترفت بالحقيقة اللي كانت مخبياها من سنين. قالت إن واحدة من صاحباتها كانت بتدخلها في دماغها إن أخوها اتغير من يوم ما اتجوزني، وإنه بقى بعيد عن أهله، وإن الحل إني أبعد عنه بأي طريقة، عشان يرجع يهتم بيهم زي الأول.لكن هبة مكانتش بتحكي الحقيقة كلها.
لما فتشت في شنطتها، لقيت ورقة مطوية، مكتوب فيها بخط إيدها مواعيد شغل أخوها، ومواعيد نومي، وملاحظات عن بنتي نور.وفي آخر الورقة جملة خلت الدم ينشف في عروقي:
“لازم صباح تمشي من البيت قبل ما نور تكبر وتاخد مكاننا كلنا. ”
بصيت لها وأنا مش مصدقة:”مكانكم إيه يا هبة؟! دي بنت أخوكي!”
صرخت وهي بتعيط:”أنا عارفة! بس أنا مش قادرة أتقبل إن أخويا مبقاش ليا زي زمان! بقيت حاسة إنكم أخدتوه مني!”
في اللحظة دي جوزي ظهر على باب الأوضة، وكان صاحي على صوتنا.
بص للصور والمقص والمفارش المقطوعة، وبعدها بص لأخته:”قوليلي إن الكلام ده مش حقيقي يا هبة!”
حاولت تقرب منه، لكنه رجع خطوة لورا.قالتله:”أنا أختك يا محمد! إنت هتصدق مراتك وتنسى أختك؟!”
رد عليها بصوت مخنوق:”أنا مش بختار بينك وبين مراتي، أنا بس مش قادر أصدق إن أختي اللي كنت بأمنها على بيتي وبنتي تعمل فيهم كده! ”
هبة حاولت تبرر، لكن كل كلمة كانت بتطلع منها بتكشف كذبة جديدة.وقتها أنا أخدت قرار عمري ما كنت أتخيل إني آخده.جبت شنطتها، ولميت حاجتها، ووقفت عند باب الشقة وقلت:”اتفضلي يا هبة… الليلة دي مش هتكمليها هنا.
أنا مش هسمحلك تدخلي بيتي تاني ولا تقربي من بنتي لحد ما أفهم إزاي قدرتي تعملي كل ده!”
فضلت تصرخ وتترجاني، لكني كنت ببص على نور اللي مستخبية ورايا وبتعيط.فتحت الباب وطلبت منها تمشي، ومحمد وقف جنبي، رغم إن عينيه كانت مليانة وجع. بعد ما خرجت، قفل الباب، وحضني أنا ونور وقال:”أنا آسف… حقكم عليا إني ماخدتش بالي.”
الليلة دي محدش فينا نام.تاني يوم، محمد اتصل بأخته وطلب منها تيجي مع حد من العيلة، عشان يرجع لها باقي حاجتها ويتكلم معاها بهدوء.
وبعد مواجهة طويلة، اعترفت بكل اللي عملته، واعتذرت لنور قبل ما تعتذر ليا.لكن الاعتذار لوحده مكنش كفاية.اتفقنا إن هبة لازم تطلب مساعدة متخصصة عشان تتعامل مع غيرتها وغضبها، وإنها مش هتزور بيتنا ولا تقعد مع نور لوحدها إلا لما نكون مطمنين إن بنتنا في أمان. وبعد أيام، عرفت من أخوها إنها بدأت تروح لمختصة نفسية، وإنها أخيرًا اعترفت إنها كانت بتتصرف بدافع الغيرة والخوف من فقدان قرب أخوها، مش لأننا أذيناها.أما أنا، فرميت المفارش المقطوعة، وغيرت ملايات أوضة نور كلها، وحطيت صورها الجديدة على الحيطة.
وفي يوم، نور جت حضنتني وقالت:”مامي، هو إحنا كده مش هنخاف تاني؟”
بست راسها وقلت:”إحنا مش هنخاف من الكلام اللي مش مفهوم يا حبيبتي، لأننا هنتكلم ونواجه أي حاجة تحصل، ومحدش هيخوفك أو يهددك بالسكوت تاني.”
عدت الشهور، وبيتنا رجع هادي، لكن علاقتي بهبة ما رجعتش زي الأول. سامحتها مع الوقت، إنما الثقة اللي اتكسرت محتاجة أفعال كتير عشان ترجع.ومن يومها فهمت إن مش كل أذى بييجي من عدو، وإن ساعات أقرب الناس لينا ممكن يعملوا فينا حاجات عمرنا ما نتوقعها.
والسؤال اللي فضل في بالي طول الوقت: لو كنت سامحت هبة من أول اعتذار، من غير ما أعرف الحقيقة، كانت بنتي هتفضل خايفة وساكتة لحد إمتى؟النهاية.